المقدمة
تناول الدرس ٠٢٥ عودة الوحي بعد فترة، والأمر العظيم: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ في سورة المدثر. وبيّن ما تتطلبه مهمة البلاغ من تعظيم الله، والطهارة، وترك الشرك، والإخلاص، والصبر، وهي معانٍ يقتدي فيها المؤمن بالنبي ﷺ. وننتقل هنا إلى أول من استجاب لهذه الرسالة.
روابط ذات صلة · 1
إحالات هذا المقطع · 1
خديجة رضي الله عنها: إيمان وتثبيت منذ البداية
يتضمن مثالًا من مرحلة لاحقة
كانت خديجة رضي الله عنها أول من آمن برسول الله ﷺ وصدق بما جاء به. ولم يقف أثرها عند التصديق الأول؛ فقد كانت تواسيه حين يسمع التكذيب، وحين يعود إليها بما يحزنه.
وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها في مسند أحمد ذكر النبي ﷺ إيمان خديجة وتصديقها ومواساتها له بمالها حين خذله الناس. ويُحفظ لفظ هذه الرواية مستقلًا عن الألفاظ المختصرة في الصحيحين.
وهنا فائدة: أهمية تثبيت صاحب الحق، وتخفيف أعباء الدعوة عنه، وأن ذلك من وجوه النصرة العظيمة. وقد دلّت السنة على أن المشاركة في الخير تكون بمباشرة العمل، وتكون كذلك بتهيئة أسبابه وإعانة صاحبه؛ قال ﷺ: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا». رواه البخاري.
ومن الشواهد الجميلة أن الصحابة كانوا في سفر في يوم حار، فضعف الصائمون، وقام المفطرون بنصب أماكن الإقامة وسقي الدواب، فقال ﷺ: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» رواه مسلم.
والأمثلة التالية من مراحل لاحقة في السيرة، نذكرها هنا لتوضيح صور النصرة، لا بوصفها أحداثًا وقعت عند بدء الدعوة.
وسيرة خديجة رضي الله عنها كذلك شاهد مبكر على عظم دور المرأة في حمل أمانة هذا الدين، وستتكرر هذه المشاركة بصور مختلفة معنا في دروس السيرة: ومن ذلك أسماء رضي الله عنها التي كانت تجهز طعام سفر النبي ﷺ وأبي بكر عند الهجرة؛ فكانت خدمتها مشاركة عملية في أسباب هذه الرحلة العظيمة.
وأم سلمة رضي الله عنها التي أشارت على النبي ﷺ يوم الحديبية. فبعد كتابة الصلح، وقد شقّ على الصحابة الرجوع دون أداء العمرة، قال لهم النبي ﷺ: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، فلم يقم أحد، مع تكراره الأمر ثلاث مرات. فدخل على أم سلمة وذكر لها ما لقي، فأشارت عليه أن يخرج ويبدأ بنفسه، وقالت: «اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك». فخرج ﷺ ونحر وحلق، فلما رأى الصحابة ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا.
ثم نرى في عائشة رضي الله عنها نصرة هذا الدين بالعلم نقلا وتبيينا؛ قال أبو موسى رضي الله عنه: «ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط، فسألنا عائشة، إلا وجدنا عندها منه علمًا».
روابط ذات صلة · 9
إحالات هذا المقطع · 7
من أول من أسلم بعد خديجة؟
اختلفت الروايات في تعيين أول من أسلم بعدها من الذكور. ومن أشهر طرق الجمع بينها ما ذكره ابن الصلاح في علوم الحديث، النوع التاسع والثلاثين، مسألة أول الصحابة إسلامًا: أبو بكر رضي الله عنه أول الرجال الأحرار، وعلي رضي الله عنه أول الصبيان أو الأحداث، وزيد بن حارثة رضي الله عنه أول الموالي. وخديجة أول من آمن على المشهور.
روابط ذات صلة · 2
إحالات هذا المقطع · 1
علي رضي الله عنه: نشأة في بيت النبوة
يذكر في كتب السيرة أن قريشًا مرّت بضائقة شديدة، وكان أبو طالب يعول أسرة كبيرة، بينما كان أخوه العباس من أغنياء بني هاشم. فاقترح النبي ﷺ على العباس أن يذهبا إلى أبي طالب، ويتولى كل واحد منهما رعاية أحد أبنائه؛ تخفيفًا عنه حتى تزول الشدة. فوافق العباس، وفي الخبر: «فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا، فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرًا فضمه إليه». وبقي علي في رعاية النبي ﷺ حتى بُعث، فآمن به وصدّقه، وبقي جعفر عند العباس إلى أن أسلم واستغنى عن رعايته.
وفي هذه القصة معنى جميل من صلة الرحم والمواساة وقت الشدة؛ وقد مر معنا قول خديجة رضي الله عنها عند بدء الوحي: «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ».
روابط ذات صلة · 3
إحالات هذا المقطع · 1
زيد بن حارثة رضي الله عنه: قرب ومحبة وكرامة
كان زيد بن حارثة الكلبي رضي الله عنه من السابقين إلى الإسلام، ومن أحب الناس إلى رسول الله ﷺ. وتذكر كتب السيرة أنه خرج صغيرًا مع أمه لزيارة قومها، فأغارت عليهم جماعة، وأخذته وباعته. فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة رضي الله عنها، ثم وهبته للنبي ﷺ قبل البعثة.
ثم تذكر أن رجالًا من قومه قدموا مكة، فعرفوا زيدًا، وعادوا فأخبروا أباه بمكانه. فخرج أبوه وعمه إلى مكة يريدان فداءه وإعادته إلى أهله.
وعرض النبي ﷺ عليهما أن يخيّر زيدًا؛ فإن اختار أهله رجع معهما بغير فداء. فلما حضر زيد وعرف أباه وعمه، اختار البقاء مع النبي ﷺ، وقال: «ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا». فتعجبا من تقديمه البقاء على الرجوع إلى أسرته، فأخبرهما بما عرفه من إحسان النبي ﷺ إليه.
تفاصيل هذه القصة من أخبار السير والتراجم، وليست جميع ألفاظها ثابتة بإسناد صحيح؛ فلا تُسوّى في درجة الدليل بالخبر الآتي في صحيح البخاري عن اسمه ونسبه.
وتذكر الرواية أن النبي ﷺ أعلن تبنّيه، فاطمأن أبوه وعمه إلى مكانته عنده وانصرفا. وكان النبي ﷺ قد أعتقه، وصار معروفًا بزيد بن محمد، فلما جاء الإسلام بإبطال التبنّي، أُعيدت نسبة زيد إلى أبيه. قال ابن عمر رضي الله عنهما إنهم كانوا يدعونه زيد بن محمد، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ رواه البخاري. فعاد اسمه زيد بن حارثة، وبقيت محبته ومكانته عند النبي ﷺ.
ومن خصائص زيد رضي الله عنه أنه الصحابي الوحيد الذي ذُكر باسمه صراحة في القرآن، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾. وتزوج أم أيمن رضي الله عنها، فولدت له أسامة، الذي شاركه محبة النبي ﷺ، فاشتهر زيد بأنه حِبّ رسول الله ﷺ، وأسامة بأنه الحِبّ ابن الحِبّ.
روابط ذات صلة · 6
إحالات هذا المقطع · 4
أبو بكر رضي الله عنه: آمن ثم دعا
كان إسلام أبي بكر رضي الله عنه ثمرة معرفة قريبة بالنبي ﷺ؛ فقد صحبه قبل البعثة، وعرف صدقه وأمانته وكرم أخلاقه. ويبيّن ابن كثير أن هذه المعرفة كانت من أسباب مبادرته إلى التصديق؛ وقد حفظ النبي ﷺ له هذا السبق فقال: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله» رواه البخاري.
وكان أبو بكر صاحب خلق طيب ومكانة بين قومه؛ وصفه ابن إسحاق بأنه «مألفًا لقومه، محببًا سهلًا»، وكان تاجرًا، عارفًا بأنساب قريش وأخبارها، يقصده الناس ويأنسون بمجالسته. فلما أسلم، أصبحت هذه الصلات بابًا لدعوة من يعرفهم ويثقون به.
وتذكر سيرة ابن هشام أن عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم كانوا ممن دعاهم أبو بكر، ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ. وينبّه ابن هشام إلى أن عبارة «بدعائه» من نقلٍ غير نقل ابن إسحاق؛ فلا تُنسب هذه الزيادة إليه دون تمييز. وهؤلاء الخمسة من العشرة المبشرين بالجنة، وسيظهر أثرهم في نصرة الإسلام.
سعيد وفاطمة رضي الله عنهما: بيت من بيوت السبق والثبات
وممن أسلم قديمًا سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه، وزوجته فاطمة بنت الخطاب، أخت عمر رضي الله عنه.
وقد أخبر سعيد بنفسه عما لقيه في تلك الأيام، فقال فيما رواه البخاري: «وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر»، إهانة له وإلزامًا بالرجوع عن الإسلام. وفي رواية أخرى ذكر سعيد نفسه وأخت عمر معًا، وأن عمر كان يوثقهما وهو لم يسلم بعد.
ولسعيد رضي الله عنه فضله المعروف؛ فهو أحد العشرة المبشرين بالجنة. وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: «عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص». فذكر سعيد هؤلاء التسعة، وسكت عن العاشر، فسألوه بالله: من العاشر؟ فأخبرهم أنه هو، وذكر نفسه بكنيته: أبو الأعور. وفي سكوته عن ذكر نفسه أولًا لفتة إلى تواضعه.
وسعيد هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل، الذي تناول الدرس ٠٢٤ بحثه عن دين إبراهيم وإنكاره على قريش ما كانت عليه.
السابقون الأولون: فضل المبادرة إلى الإيمان والنصرة
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وأعظم ما في الآية شهادة الله لهم بالرضا، ووعده إياهم بالجنة والنعيم الدائم. ويبيّن ابن كثير أنها تجمع رضا الله عنهم ورضاهم عنه بما أعدّ لهم من النعيم.
ثم تفتح الآية لمن جاء بعدهم بابًا واسعًا: اتباعهم بإحسان. قال ابن عطية: «ويدخل في هذا اللفظ التابعون وسائر الأمة لكن بشريطة الإحسان».
الدعوة السرية: تبليغ مع الحكمة ومراعاة الحال
وهكذا بدأت دائرة المؤمنين تتسع حول رسول الله ﷺ؛ فآمن به أقرب الناس إليه، ثم أخذ من أسلم يدعو من يعرفهم ويثق بهم، كما رأينا في دعوة أبي بكر رضي الله عنه. وتُعرف هذه البدايات في كتب السيرة بمرحلة الدعوة السرية؛ إذ كان التبليغ يجري مع الاستخفاء ومراعاة أحوال المؤمنين، قبل الانتقال إلى الجهر العام. ويذكر أهل السيرة أن هذه المرحلة امتدت ثلاث سنين.
الخاتمة
يتابع الدرس ٠٢٧ الحديث عن دار الأرقم وتكوين الجماعة الأولى بالصحبة والقرآن، ثم يواصل الدرس ٠٢٨ بيان أثر القرآن المكي في تثبيت القلب.
ويمهّد هذا البناء لمرحلة الجهر العام وما سيواجهه المؤمنون من تحديات؛ فنقرأ كل مشهد في موضعه من السلسلة.
روابط ذات صلة · 12
إحالات هذا المقطع · 7
• النصرة تكون بالفعل المباشر وبتهيئة أسبابه. • تُحفظ فروق الروايات في أسبقية الإسلام. • الصلات الطيبة قد تكون بابًا لدعوة نافعة.
سؤال للتأمل
كيف تعين شخصًا على خير دون أن تكون أنت المتصدر؟
المصادر والإحالات21
التصنيف يصف نوع المقطع؛ وحكم الرواية يُرجع فيه إلى مصدرها.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21