شهادة خديجة: نظرة إلى ما سيأتي
يتضمن مثالًا من مرحلة لاحقة
نستهل بمشهد لاحق من بدء الوحي، سيأتي تفصيله في الدرس ٠٢٤؛ وهو شاهد على ما عرفته خديجة رضي الله عنها من خُلُقه قبل البعثة.
رجع رسول الله ﷺ إلى خديجة رضي الله عنها عند بدء الوحي خائفًا، فقالت له:
«كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ».
ويشرح النووي طمأنة خديجة بالإشارة إلى مكارم أخلاقه وكرم شمائله. وهذه طمأنة في سياقها، وليست نفيًا لما قد يلقاه الصالحون من ألم وابتلاء.
وسنرى شهادة أخرى حين صعد الصفا بعد نزول ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وسأل قومه: لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ فقالوا: «نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا».
وهنا يظهر امتداد ما تقدم في الدرس ٠٢٠: صدقه ﷺ وأمانته في شبابه لم يكونا لقبًا عابرًا، بل خُلُقًا بقي معه في بيته ومع الناس.
روابط ذات صلة · 4
إحالات هذا المقطع · 3
المعرفة التي تنمّي المحبة
قال ابن رجب: «وأما محبة الرسول ﷺ: فتنشأ عن معرفته ومعرفة كماله وأوصافه وعظم ما جاء به». فهذه من ثمار دراسة السيرة التي نرجوها.
إحالات هذا المقطع · 1
من حرب الفجار إلى نصرة المظلوم
نعود إلى سنوات شبابه ﷺ قبل البعثة. تقدم الحديث في الدرس ٠٢٠ عن حرب الفِجار بين قريش ومن معها من كنانة، وبين قيس عيلان، وعن مشاركته ﷺ فيها وهو شاب. وسميت بذلك لما وقع فيها من انتهاك الحرمات.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].
وهذه هي البيئة التي نتابع أحداثها: قد تدفع العصبية الناس إلى القتال.
وتذكر كتب السيرة أنه بعد هذه الحرب قدم رجل من زَبيد في اليمن إلى مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، ثم حبس عنه ثمنها. كان البائع غريبًا، والعاص صاحب مكانة. طلب الرجل من بعض بطون قريش أن يعينوه، فلم يعينوه، بل انتهروه.
والعاص بن وائل السهمي كان من أشراف قريش في الجاهلية، وهو والد الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه. أدرك بعثة النبي ﷺ لكنه لم يُسلم، وكان من المعارضين للدعوة. ومن أشهر ما يُذكر عنه أنه كان إذا ذُكر النبي ﷺ يقول عنه: «دعوه، فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره»؛ وذلك بعد وفاة أحد أبناء النبي ﷺ. وذكر أن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ نزل فيه. أي: إن مبغض النبي ﷺ هو المنقطع حقيقةً. وينقل ابن كثير هذا القول في تفسير سورة الكوثر، إلى جانب أقوال أخرى في سبب النزول؛ فلا نجعله الرواية الوحيدة.
فلما ضاقت به الأسباب، صعد جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش حول الكعبة، ورفع صوته بأبيات يستغيث فيها بأهل المروءة. وخلاصة ندائه: كيف يضيع حق غريب في هذا البلد الحرام؟ سمعه الزبير بن عبد المطلب، عم النبي ﷺ، فقال: «ما لهذا مَترك»؛ أي لا ينبغي أن يُترك هذا الظلم بلا نصرة لصاحبه.
روابط ذات صلة · 5
إحالات هذا المقطع · 5
حلف الفضول
اجتمع رجال من بني هاشم وبني المطلب وأسَد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان. وتعاهدوا ألا يجدوا في مكة مظلومًا، من أهلها أو من غير أهلها، إلا قاموا معه حتى يُرد إليه حقه. ثم تحركوا لنصرة الزبيدي، فاستردوا له حقه من العاص بن وائل.
ومن المعاني هنا أن نصرة الضعيف تحتاج أحيانًا إلى اجتماع أهل الخير، وإلى عمل يحفظ حقه، لا إلى كلمات المواساة وحدها.
وشهد النبي ﷺ هذا الحلف قبل البعثة. ومما رُوي في ثنائه عليه بعد ذلك: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حُمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت». وحُمر النعم من أنفس أموال العرب؛ فالمعنى أنه لا يستبدل بذلك الموقف مالًا نفيسًا.
حُمْرُ النَّعَم تعبير عربي قديم، والمقصود به الإبل الحمراء النفيسة، وكانت من أنفس أموال العرب وأغلاها وأحبها إليهم؛ ولذلك صار التعبير يُستعمل للدلالة على شيء بالغ القيمة والثمن. وأشهر موضع وردت فيه قول النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه يوم خيبر: «فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». وللتنبيه على النطق: هي حُمْرُ النَّعَم؛ بضم الحاء وسكون الميم: حُمْر، والنَّعَم بفتح النون والعين، وليست الحُمُر التي هي جمع حمار.
وهنا نتعلم أن: الإسلام أبطل شرك الجاهلية وظلمها، لكنه أقر ما وافق الحق والعدل من أخلاقها. ليس الانتماء هو المشكلة. فالانتماء إلى الأسرة والقبيلة والشعب أمر أقرّه القرآن، بل جعله الله جزءًا من تنظيم المجتمع البشري، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
ولكن ما معنى ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ عند المفسرين؟ الطبري يضع المعنى الأساسي بوضوح: جعل الله الناس شعوبًا وقبائل حتى يُعرف الإنسان بنسبه وقرابته، فقال: «ليعرف بعضكم بعضًا في النسب». فالقبيلة والشعب وسيلة للتعريف ومعرفة الصلات والقرابات، وليسا معيارًا للتفضيل.
لكن هل المقصود مجرد معرفة النسب؟ السعدي يشرح الثمرة الاجتماعية لهذا التعارف بصورة جميلة، فيقول إن من نتائجه: «التناصر والتعاون، والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب». فالتعارف ليس مجرد معرفة أسماء أو أنساب، وإنما تترتب عليه علاقات وحقوق ومصالح يحتاج إليها المجتمع.
والمشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الانتماء من التعارف والتعاون إلى التفاخر والتعالي والعصبية. ثم يقول الله تعالى مباشرة بعد ذلك: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالتفاضل بالتقوى لا بالنسب والقبيلة. وهذا المعنى ينسجم تمامًا مع سياق سورة الحجرات، وهي من أكثر سور القرآن عنايةً بآداب المجتمع والعلاقات بين الناس.
في ثنايا السيرة بعد الهجرة حادثة، حصل فيها خصام بين رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فنادى كل منهما جماعته. فقال النبي ﷺ: «مَا بَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ؟»، ثم قال: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». قال ﷺ: «وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ». ووصف القتلة بالجاهلية وعيد شديد، وليس حكمًا بمجرده على خروج شخص معين من الإسلام.
وهنا دعوة إلى تطبيق عملي في حياتنا. فقد نسمع أن صديقًا أو قريبًا لنا اختلف مع شخص غريب، فتبادر نفوسنا مباشرة إلى الدفاع عن الصديق أو القريب، وربما نحكم على الطرف الآخر قبل أن نعرف أصلًا ماذا حدث. وهنا يأتي الاختبار الحقيقي: هل نتثبت أولًا، ونسعى إلى معرفة الحق وإقامة العدل، أم نميل مباشرة إلى موقف من نحب وننصره بلا تثبت؟ ويقول الله عز وجل في السورة نفسها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
الإسلام لم يلغ النصرة، بل صحح وهذب معناها. قال ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». ولما سُئل كيف يُنصر ظالمًا، قال: «تأخذ فوق يديه»؛ أي تمنعه من الظلم. فليس وفائي لصاحبي أن أساعده على أكل حق غيره؛ بل أن أنصحه، وأمنعه من الاستمرار في الخطأ، وأعينه على رد الحق. ولهذا قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. ويلخص ابن كثير هذا الميزان بقوله: «فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد».
روابط ذات صلة · 13
إحالات هذا المقطع · 11
من الأمانة في المجتمع إلى الأمانة في التجارة
وبعد هذه المحطة ننتقل إلى خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
كانت امرأة ذات شرف ومال، تستعين بالرجال في تجارتها.
وتذكر السيرة أنه لما بلغها صدق محمد ﷺ وأمانته وكرم أخلاقه، عرضت عليه أن يخرج في تجارتها إلى الشام، وأن تعطيه أفضل مما كانت تعطي غيره. فقبل وخرج معه غلامها ميسرة.
روابط ذات صلة · 2
إحالات هذا المقطع · 1
الزواج بخديجة
ثم تذكر السيرة أن خديجة رغبت في الزواج به لما عرفته من أمانته وكرم أخلاقه، فكان الزواج وهو ابن خمس وعشرين سنة على المشهور. وكانت أول زوجاته، وثبت عن عائشة رضي الله عنها أنه لم يتزوج عليها حتى ماتت.
وبقي وفاؤه ﷺ لها بعد وفاتها؛ فكان يكرم صديقاتها، وقال عنها: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا». وفي هذا دعوة إلى شكر نعمة المودة وحفظ الوفاء لمن أحسن إلينا.
تتناول الدروس التالية بعض فضائل خديجة رضي الله عنها وما حفظته السنة من الوفاء لها.
روابط ذات صلة · 3
إحالات هذا المقطع · 3
الخاتمة
يتابع الدرس ٠٢٢ خبر بناء الكعبة، ثم النزاع على وضع الحجر الأسود؛ وهناك يظهر أثر الثقة بالأمين ﷺ وحكمته في جمع الكلمة.
• نصرة المظلوم تحتاج فعلًا يرد حقه. • الوفاء لا يبرر الوقوف مع الظلم. • الصدق والأمانة يصنعان أساسًا للثقة.
سؤال للتأمل
كيف تنصف طرفًا لا تعرفه في خلاف مع قريب لك؟
المصادر والإحالات22
التصنيف يصف نوع المقطع؛ وحكم الرواية يُرجع فيه إلى مصدرها.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22